عبد الكريم الخطيب
869
التفسير القرآنى للقرآن
وأخبتوا له ، ولامتلأت قلوبهم خشية ورهبة لسلطانه العظيم ، الآخذ بناصية كل شئ ، ولأفادوا من ذلك علما كثيرا يمكّن لهم في الأرض ، ويسخر لهم من قواها ما زال متأبيا عليهم ، بعيدا عن متناول أيديهم . . فالإيمان لا يقع من القلب موقع الاستقرار والاطمئنان ، إلا إذا جاء عن علم باللّه ، وبما للّه من صفات الجلال والكمال . . قوله تعالى : « وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ » . هو إلفات إلى ما صنع اللّه سبحانه وتعالى بالأرض ، بعد أن فصلها عن مادة الوجود ، وصورها على تلك الصورة . . فقد جعل اللّه سبحانه وتعالى فيها جبالا راسية ثابتة ، تشدّها ، وتمسك بها أن تميد وتضطرب ، وجعل في هذه الجبال فجاجا ، أي فجوات ، وهي سبل يسلكها الناس في انتقالهم من جهة إلى أخرى . ويجعلون منها معالم يتعرفون منها إلى الأماكن والجهات ، حتى لا يضلّوا في أسفارهم . . قوله تعالى : « وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ » . وكما أوجد اللّه سبحانه الأرض على هذه الصورة ، وجعل فيها رواسي ، وفجاجا سبلا ، كذلك أقام السماء كما نرى ، سقفا محفوظا بيد القدرة ، فلا يقع علينا . . وفي قوله تعالى : « وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ » إشارة إلى ما في السماء